السعوديةالنفقة

نموذج اعتراض على حكم نفقة مستقبلية: صياغة قانونية متكاملة مع الأسانيد والمشفوعات

لا يوجد نموذج اعتراض على حكم نفقة مستقبلية يمكن تطبيقه بصيغة واحدة على جميع القضايا؛ لأن قوة الاعتراض تتوقف على وقائع الدعوى، والأدلة المقدمة فيها، وأسباب الحكم، وما إذا كان قد شابه خطأ في تطبيق النظام أو قصور في التسبيب أو إغفال لمستند مؤثر. ومع ذلك، يظل الاطلاع على نموذج عملي وسيلة مفيدة لفهم الطريقة الصحيحة في بناء مذكرة الاعتراض وترتيب بياناتها وأسبابها وطلباتها.

نموذج اعتراض على حكم نفقة مستقبلية في السعودية بصياغة قانونية احترافية وفق نظام الأحوال الشخصية
نموذج اعتراض على حكم نفقة مستقبلية

وقد سبق أن تناولنا في مقال « مذكرة اعتراض على حكم نفقة مستقبلية : كيف تبني اعتراضًا قد يغيّر الحكم؟ » الضوابط العامة التي ينبغي مراعاتها عند إعداد الاعتراض، وأبرز الأسباب التي قد تؤثر في نتيجة الحكم. أما في هذا المقال، فننتقل إلى الجانب التطبيقي من خلال واقعة افتراضية مستوحاة من الواقع العملي، ثم نبني عليها مذكرة اعتراض متكاملة خطوة بخطوة، مع بيان الأساس النظامي لكل جزء، بحيث يستفيد القارئ من النموذج دون إغفال خصوصية كل قضية.

الواقعة الافتراضية المعتمد لاعداد نموذج اعتراض على حكم نفقة مستقبلية

تنبيه : الوقائع والأسماء والتواريخ الواردة في هذا النموذج افتراضية، أُعدت لأغراض الشرح والتدريب، ولا تمثل قضية حقيقية أو حكمًا قضائيًا صادرًا.

تزوج أحمد بن محمد القحطاني من سارة بنت عبدالله العتيبي بموجب عقد زواج رسمي، ورُزقا بطفلين، هما محمد (9 سنوات) وريم (6 سنوات). وبعد وقوع خلافات زوجية انتهت العلاقة بالطلاق، بقي الطفلان في حضانة والدتهما.

أقامت الأم دعوى أمام محكمة الأحوال الشخصية طالبت فيها بإلزام الأب بنفقة مستقبلية للأبناء تشمل نفقة المأكل والملبس والمسكن والتعليم والعلاج، مدعية أن دخله الشهري يتجاوز 18,000 ريال، وأنه قادر على تحمل النفقة المطلوبة.

من جانبه، دفع الأب أمام المحكمة بأن دخله الفعلي لا يتجاوز 12,000 ريال بعد الاستقطاعات النظامية، وأنه يلتزم بسداد قرض سكني، ويعول والدته المسنة، كما قدم تعريفًا بالراتب وكشفًا بالاستقطاعات البنكية.

وبعد نظر الدعوى، أصدرت المحكمة حكمها بإلزام الأب بدفع 5,500 ريال شهريًا نفقة مستقبلية للطفلين، استنادًا إلى ما ظهر لها من دخل المنفق واحتياجات المحضونين.

ويرى الأب أن الحكم لم يراعِ كامل ظروفه المالية، ولم يناقش بعض المستندات التي قدمها، كما أن تقدير النفقة جاء – في نظره – أعلى من قدرته الفعلية على الإنفاق، لذلك قرر تقديم مذكرة اعتراض أمام محكمة الاستئناف طالبًا إعادة النظر في الحكم وتعديله.

لائحة اعتراض على حكم نفقة مستقبلية

تذكير بالتنبيه : هذا نموذج اعتراض على حكم نفقة مستقبلية والوقائع والأسماء والتواريخ الواردة في هذا النموذج افتراضية، أُعدت لأغراض الشرح والتدريب، ولا تمثل قضية حقيقية أو حكمًا قضائيًا صادرًا.

بسم الله الرحمن الرحيم

أصحاب الفضيلة رئيس وأعضاء الدائرة الحقوقية بمحكمة الاستئناف بمنطقة (……) حفظهم الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

لائحة اعتراض مقدمة من :

المعترض (المدعى عليه ابتدائيًا) :
أحمد بن محمد القحطاني.

ضد

المعترض ضدها (المدعية ابتدائيًا) :
سارة بنت عبدالله العتيبي.

في الاعتراض على الحكم الصادر من

محكمة الأحوال الشخصية بـ(……)، في الدعوى رقم (……)، والصك رقم (……)، والمؤرخ في ../../14هـ، والقاضي بإلزام المعترض بأن يدفع للمستأنف ضدها نفقة مستقبلية للمحضونين مقدارها خمسة آلاف وخمسمائة (5,500) ريال شهريًا.

وقد تبلغ المعترض بالحكم بتاريخ ../../14هـ، ويتقدم بهذه اللائحة خلال المدة النظامية المقررة نظامًا، طالبًا قبولها شكلًا، ثم قبولها موضوعًا، ونقض الحكم أو تعديله للأسباب المبينة أدناه.

أولًا : موضوع الاعتراض

تنحصر هذه اللائحة في الاعتراض على مقدار النفقة المستقبلية المقضي بها، وما شاب الحكم من قصور في تطبيق أحكام نظام الأحوال الشخصية السعودي، وإغفال بعض الأدلة الجوهرية المؤثرة في تقدير يسار المنفق، بما أثر في النتيجة التي انتهى إليها الحكم.

ولا ينازع المعترض في أصل التزامه الشرعي والنظامي بالإنفاق على ولديه، ولا يجادل في وجوب توفير ما يحتاجانه من نفقة، وإنما ينصب اعتراضه على مقدار النفقة المحكوم بها، لكونها – بحسب ما هو ثابت بالأوراق – لا تتناسب مع قدرته المالية الحقيقية، ولم تبن على مناقشة كاملة لجميع الأدلة المقدمة في الدعوى.

ثانيًا : موجز الوقائع

تزوج المعترض من المستأنف ضدها بموجب عقد زواج صحيح، ورزقا بولدين هما محمد، البالغ من العمر تسع سنوات، وريم، البالغة من العمر ست سنوات، ثم انتهت العلاقة الزوجية بالطلاق، واستمرت حضانة الطفلين لدى والدتهما.

وبعد الطلاق أقامت المستأنف ضدها دعوى أمام محكمة الأحوال الشخصية طالبت فيها بإلزام المعترض بنفقة مستقبلية للمحضونين تشمل الطعام والكسوة والسكن والتعليم والعلاج وسائر المصروفات المعتادة، وذكرت أن دخل المعترض الشهري يتجاوز ثمانية عشر ألف ريال، وأنه قادر على الوفاء بالنفقة بالمقدار الذي طلبته.

وأثناء نظر الدعوى، تمسك المعترض بأن ما ورد في صحيفة الدعوى بشأن مقدار دخله غير صحيح، وأوضح أن دخله الصافي بعد الاستقطاعات النظامية لا يتجاوز اثني عشر ألف ريال تقريبًا، كما بين للمحكمة أنه ملتزم بسداد قرض سكني مستحق عليه، إضافة إلى تحمله إعالة والدته المسنة، وهي التزامات مالية ثابتة تؤثر مباشرة في قدرته المالية.

ولإثبات ذلك، قدم المعترض للمحكمة تعريفًا رسميًا بالراتب، وكشفًا بالاستقطاعات البنكية، وعددًا من المستندات المؤيدة لدفاعه، ملتمسًا من المحكمة مراعاة تلك الظروف عند تقدير النفقة، تحقيقًا للتوازن الذي قرره المنظم بين مصلحة المحضونين وبين يسار المنفق.

وبعد استكمال إجراءات نظر الدعوى، أصدرت المحكمة حكمها بإلزام المعترض بأن يدفع نفقة مستقبلية للمحضونين مقدارها (5,500) ريال شهريًا، مؤسسة قضاءها على ما ظهر لها من دخل المنفق واحتياجات المحضونين.

ولما كان المعترض يرى أن الحكم لم يناقش جميع عناصر النزاع، ولم يزن الأدلة المقدمة الوزن الذي تستحقه، كما انتهى إلى تقدير للنفقة لا يتفق مع قدرته المالية الفعلية، فإنه يتمسك بحقه في الاعتراض عليه أمام محكمتكم الموقرة.

ثالثًا : قبول الاعتراض شكلًا

لما كان الحكم قد بلغ إلى المعترض بتاريخ ../../14هـ، وكان هذا الاعتراض مقدمًا خلال المدة النظامية المحددة للاعتراض على الأحكام، ومستوفيًا لسائر البيانات والإجراءات النظامية، فإنه يكون مقبولًا من حيث الشكل، الأمر الذي يتعين معه الانتقال إلى بحث أسبابه الموضوعية.

رابعًا : الأسانيد الشرعية

تقوم نفقة الأولاد في الشريعة الإسلامية على مبدأ العدل، فلا يجوز حرمان الأولاد من حقوقهم المالية، كما لا يجوز إلزام الأب بما يجاوز طاقته وقدرته، وإنما يكون التقدير قائمًا على الموازنة بين حاجة المنفَق عليهم، وقدرة المنفِق، تحقيقًا للعدل الذي جاءت به الشريعة.

قال تعالى :

﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق : 7].

فقد قررت الآية الكريمة أن النفقة مرتبطة بسعة المنفق وقدرته، وأن مناط الإلزام هو الوسع الحقيقي، لا الوسع المفترض، وهو أصل شرعي تبناه المنظم السعودي عند تنظيم أحكام النفقة.

كما أن من القواعد الفقهية المستقرة أن “المشقة تجلب التيسير”، وأن “الضرر يزال”، وهما قاعدتان تقتضيان ألا يقدر الالتزام المالي على نحو يؤدي إلى إيقاع ضرر غير مبرر بأحد طرفي العلاقة، مع المحافظة في الوقت ذاته على الحقوق الواجبة للمحضونين.

وانطلاقًا من هذه الأصول، فإن المطلوب من المحكمة ليس مجرد تقدير نفقة تحقق احتياجات المحضونين، وإنما تقدير نفقة تحقق تلك الاحتياجات في حدود القدرة المالية الحقيقية للمنفق، وهو ما يتمسك به المعترض في هذه اللائحة.

خامسًا: الأسانيد النظامية

تستند هذه اللائحة إلى الأحكام النظامية المنظمة للنفقة في المملكة العربية السعودية، وما قررته الأنظمة من ضوابط يتعين مراعاتها عند الفصل في دعاوى النفقة وتقدير مقدارها.

فقد نظم نظام الأحوال الشخصية أحكام النفقة، وبين أنها تشمل الاحتياجات الأساسية للمستحق لها، كما أوجب أن يراعى في تقديرها حال المنفق عليه وسعة المنفق والظروف الاقتصادية زمانًا ومكانًا، وهو ما يدل على أن المنظم لم يجعل تقدير النفقة مبنيًا على احتياجات المستحق وحدها، أو على مقدار دخل المنفق مجردًا، وإنما ألزم المحكمة بإجراء موازنة بين جميع العناصر المؤثرة في التقدير.

كما قرر النظام أن النفقة تزيد أو تنقص تبعًا لتغير الأحوال، وهو ما يؤكد أن مناط تقديرها هو القدرة المالية الفعلية للمنفق، وليس مجرد القدرة الافتراضية أو الدخل الإجمالي الذي قد لا يعكس حقيقة المركز المالي.

ومن جهة أخرى، فإن نظام الإثبات أوجب على المحكمة تقدير الأدلة المعروضة عليها وفق ما تطمئن إليه، إلا أن هذه السلطة لا تعفيها من مناقشة الأدلة الجوهرية التي يتمسك بها الخصوم، متى كان من شأنها التأثير في الفصل في النزاع، لأن إغفالها يؤدي إلى قصور في بناء الحكم ويحول دون تمكين محكمة الاستئناف من بسط رقابتها على سلامة تطبيق النظام.

كما أن نظام المرافعات الشرعية أوجب أن تكون الأحكام مسببة، وأن يشتمل الحكم على أسبابه التي بني عليها، حتى يتضح وجه الاستدلال الذي انتهت إليه المحكمة، وحتى تتمكن محكمة الاستئناف من مراقبة صحة تطبيق النظام على وقائع الدعوى.

وحيث إن هذه الضوابط النظامية تمثل الإطار الذي يجب أن يلتزم به الحكم عند تقدير النفقة، فإن أي إخلال بها أو إغفال لأحد عناصرها الجوهرية يجيز لمحكمة الاستئناف إعادة النظر في الحكم وتصحيح ما شابه من خطأ في التطبيق أو قصور في التسبيب.

سادسًا: أسباب الاعتراض

السبب الأول: مخالفة الحكم لضوابط تقدير النفقة المنصوص عليها في نظام الأحوال الشخصية

الثابت من الحكم المطعون فيه أنه انتهى إلى إلزام المعترض بدفع نفقة مستقبلية مقدارها (5,500) ريال شهريًا، مستندًا إلى ما ظهر للمحكمة من دخل المنفق واحتياجات المحضونين.

إلا أن هذا القضاء – مع كامل التقدير – لم يبين الكيفية التي طبقت بها المحكمة الضوابط النظامية الواجبة عند تقدير النفقة، إذ خلا الحكم من بيان عناصر الموازنة بين احتياجات المحضونين من جهة، وبين القدرة المالية الحقيقية للمعترض من جهة أخرى.

فالثابت بالأوراق أن المعترض نازع في مقدار الدخل المنسوب إليه، وقرر أن دخله الصافي بعد الاستقطاعات النظامية يقل عما ورد في دعوى المدعية، كما قدم ما يؤيد ذلك من مستندات رسمية، إضافة إلى إثبات وجود التزامات مالية ثابتة تتمثل في قرض سكني قائم وإعالة والدته المسنة.

وهذه الوقائع ليست مسائل فرعية، بل تتعلق مباشرة بعنصر يسار المنفق الذي جعله نظام الأحوال الشخصية أحد الأسس الجوهرية في تقدير النفقة.

ومع ذلك، لم يبين الحكم أثر هذه الوقائع في تكوين قناعة المحكمة، ولم يوضح ما إذا كانت قد أخذت بها أو طرحتها، كما لم يبين كيف انتهى إلى اعتبار مبلغ (5,500) ريال متناسبًا مع القدرة المالية الفعلية للمعترض.

ولا يكفي في هذا المقام القول إن المحكمة قدرت النفقة وفق سلطتها التقديرية، لأن السلطة التقديرية ليست سلطة مطلقة، وإنما تمارس في حدود الضوابط التي رسمها النظام، ويجب أن يظهر من أسباب الحكم أن المحكمة وازنت بين جميع العناصر المؤثرة في التقدير.

ولما خلا الحكم من هذا البيان، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق الضوابط النظامية المنظمة لتقدير النفقة، الأمر الذي أثر في النتيجة التي انتهى إليها، ويبرر تدخل محكمة الاستئناف لإعادة تقدير النفقة على ضوء الوقائع الثابتة في ملف الدعوى، وبما يحقق التطبيق الصحيح لأحكام نظام الأحوال الشخصية.

السبب الثاني: القصور في تسبيب الحكم وإخلاله بمتطلبات التسبيب المعتبرة نظامًا

إن تسبيب الأحكام ليس إجراءً شكليًا، وإنما هو ضمانة جوهرية لتحقيق العدالة، إذ يبين من خلاله الأساس الواقعي والنظامي الذي أقامت عليه المحكمة قضاءها، ويمكن الخصوم ومحكمة الاستئناف من الوقوف على سلامة تطبيق النظام وصحة استخلاص النتيجة من وقائع الدعوى.

ولذلك، فإن الحكم لا يعد مسببًا بمجرد إيراد النتيجة التي انتهى إليها، وإنما يجب أن يتضمن بيانًا كافيًا للوقائع الثابتة، والأدلة التي اطمأنت إليها المحكمة، ووجه استدلالها بها، وكيفية تطبيق النصوص النظامية على تلك الوقائع.

وبالرجوع إلى الحكم محل الاعتراض، يتبين أنه انتهى إلى إلزام المعترض بدفع نفقة مستقبلية قدرها (5,500) ريال شهريًا، إلا أنه لم يبين الأساس الذي اعتمد عليه في تحديد هذا المبلغ، فلم يوضح مقدار الاحتياجات الشهرية لكل طفل، ولا كيفية احتساب عناصر النفقة، ولا الأسباب التي دعته إلى ترجيح هذا المقدار دون غيره.

كما لم يبين الحكم ما إذا كان قد اعتمد الدخل الإجمالي للمعترض أو الدخل الصافي بعد الاستقطاعات النظامية، وهي مسألة جوهرية يتوقف عليها تقدير يسار المنفق، ولا يمكن لمحكمة الاستئناف مراقبة صحة هذا التقدير ما لم يظهر من أسباب الحكم الأساس الذي بني عليه.

ومن ثم، فإن الحكم قد خلا من بيان العناصر الواقعية التي قادت إلى تحديد مبلغ النفقة، الأمر الذي يجعل أسبابه غير كافية لحمل منطوقه، ويحول دون رقابة محكمة الاستئناف على سلامة تطبيق النظام.

ولا ينال من ذلك ما لمحكمة الموضوع من سلطة في تقدير الوقائع، إذ إن هذه السلطة يجب أن تمارس في إطار من التسبيب الكافي الذي يكشف عن وجه الاستدلال، أما إذا اقتصر الحكم على تقرير النتيجة دون بيان مقدماتها، فإن ذلك يعد قصورًا في التسبيب يوجب إعادة النظر فيه.

ولما كان هذا القصور قد تعلق بجوهر النزاع، وأثر في مقدار النفقة المحكوم بها، فإنه يعد سببًا مستقلًا يبرر تعديل الحكم أو نقضه في حدود ما شابه من قصور.

السبب الثالث: إغفال الحكم مناقشة الأدلة الجوهرية المقدمة من المعترض بالمخالفة لقواعد الإثبات

الثابت من محاضر الدعوى أن المعترض لم يقتصر على مجرد إنكار مقدار الدخل المنسوب إليه، بل قدم مستندات رسمية لإثبات حقيقة مركزه المالي، تمثلت في تعريف بالراتب، وكشف بالاستقطاعات النظامية، إضافة إلى ما يثبت التزامه بسداد قرض سكني، وهي مستندات تتعلق مباشرة بأحد أهم عناصر تقدير النفقة، وهو يسار المنفق.

وهذه المستندات ليست وسائل دفاع ثانوية يمكن تجاوزها، بل تمثل أدلة جوهرية لو ثبتت آثارها لأمكن أن تؤدي إلى تعديل مقدار النفقة أو إعادة تقديرها، الأمر الذي كان يوجب على المحكمة مناقشتها وبيان أثرها في تكوين قناعتها.

إلا أن الحكم المطعون فيه خلا من أي تعرض لهذه المستندات، فلم يناقش مضمونها، ولم يبين مدى حجيتها، ولم يوضح سبب عدم التعويل عليها، كما لم يرد على دفاع المعترض المستند إليها، رغم اتصالها المباشر بموضوع الدعوى.

ومن المقرر أن للمحكمة سلطة تقدير الأدلة، إلا أن هذه السلطة لا تعني إغفال الأدلة الجوهرية أو عدم الرد على الدفاع المؤثر، لأن التقدير القضائي لا يكون صحيحًا إلا إذا سبقته مناقشة حقيقية لجميع الأدلة المنتجة في النزاع.

وحيث إن الحكم لم يظهر أنه تناول هذه المستندات بالبحث والتمحيص، ولم يبين أثرها في تقدير يسار المعترض، فإن ذلك يعد قصورًا في تقدير الدليل وإخلالًا بضمانات التقاضي، وهو ما أثر في النتيجة التي انتهى إليها الحكم.

ولذلك، فإن المعترض يتمسك بأن الحكم قد صدر دون استكمال مناقشة جميع الأدلة المنتجة في الدعوى، الأمر الذي يستوجب تدخل محكمة الاستئناف لإعادة وزن تلك الأدلة، وإعادة تقدير النفقة على ضوء ما يثبت منها.

السبب الرابع: الخطأ في استخلاص الواقع المؤثر في تقدير يسار المنفق

من المبادئ القضائية المستقرة أن لمحكمة الموضوع سلطة فهم الواقع وتقدير الأدلة، إلا أن هذه السلطة مشروطة بأن يكون استخلاصها للوقائع مستندًا إلى أوراق الدعوى استخلاصًا سائغًا ومؤديًا إلى النتيجة التي انتهت إليها.

وبالرجوع إلى أوراق الدعوى، يثبت أن جوهر النزاع لم يكن منصبًا على أصل استحقاق المحضونين للنفقة، وإنما على حقيقة المركز المالي للمعترض، ومدى قدرته الفعلية على الوفاء بالمبلغ المطالب به.

وقد تمسك المعترض منذ بدء نظر الدعوى بأن دخله الصافي بعد الاستقطاعات النظامية يقل عما نسب إليه، وقدم ما يؤيد ذلك من مستندات رسمية، كما أوضح أن عليه التزامًا ماليًا ناشئًا عن قرض سكني قائم، فضلًا عن تحمله إعالة والدته المسنة، وهي وقائع لم تكن محل إنكار، وإنما كانت تستوجب وزنها عند تقدير يساره المالي.

إلا أن الحكم انتهى إلى تقدير مقدار النفقة دون أن يظهر من أسبابه أنه أحاط بهذه الوقائع إحاطة كافية، أو أنه أجرى موازنة بينها وبين احتياجات المحضونين، الأمر الذي أدى إلى استخلاص صورة غير مكتملة عن الوضع المالي الحقيقي للمعترض.

وحيث إن تقدير النفقة يتوقف على ثبوت القدرة المالية الفعلية، فإن أي خطأ في استخلاص هذا الواقع ينعكس بالضرورة على مقدار النفقة المحكوم بها، ويجعل النتيجة التي انتهى إليها الحكم بحاجة إلى إعادة نظر.

ومن ثم، يتمسك المعترض بأن الحكم قد أخطأ في استخلاص الواقع المؤثر في الدعوى، وهو ما أثر تأثيرًا مباشرًا في منطوقه، ويستوجب تعديله.

السبب الخامس: فساد الاستدلال في تقدير مقدار النفقة المحكوم بها

يشترط لصحة الحكم أن تكون النتيجة التي انتهى إليها مترتبة منطقيًا على الوقائع الثابتة والأدلة التي ناقشها، وأن يكون هناك ارتباط واضح بين الأسباب والمنطوق.

إلا أن الحكم محل الاعتراض انتهى إلى تحديد مبلغ النفقة بمقدار (5,500) ريال شهريًا دون أن يبين المنهج الذي اتبعه في الوصول إلى هذا المبلغ، ودون أن يوضح العناصر التي اعتمد عليها في تقديره.

فلم يبين الحكم مقدار الاحتياجات الشهرية اللازمة لكل من الطفلين، ولم يوضح تكلفة عناصر النفقة الداخلة في التقدير، كما لم يبين نسبة ما تمثله النفقة من دخل المعترض، أو كيف توصل إلى أن هذا المبلغ يتفق مع يساره المالي.

وبذلك، فإن العلاقة بين الأسباب التي أوردها الحكم والنتيجة التي انتهى إليها بقيت غير واضحة، إذ لا يكفي القول بأن المحكمة قدرت النفقة وفق سلطتها التقديرية، ما لم تبين الأساس الواقعي الذي استندت إليه في ممارسة تلك السلطة.

ولما كان الاستدلال الذي لا يقيم رابطة منطقية بين الوقائع والنتيجة يعد استدلالًا معيبًا، فإن الحكم يكون قد شابه فساد في الاستدلال أثر في مقدار النفقة المقضي بها.

ولذلك، فإن المعترض يطلب من محكمة الاستئناف إعادة فحص عناصر تقدير النفقة في ضوء الوقائع الثابتة بالأوراق، وإعادة تقديرها بما يحقق التطبيق الصحيح لأحكام نظام الأحوال الشخصية.

السبب السادس: مخالفة الحكم لمبدأ التناسب بين النفقة ويسار المنفق

إن الغاية التي استهدفها المنظم من تنظيم أحكام النفقة لا تقتصر على ضمان حصول المحضونين على احتياجاتهم الأساسية، وإنما تمتد إلى تحقيق التوازن بين تلك الاحتياجات وبين القدرة المالية الحقيقية للمنفق، حتى يكون الحكم قابلًا للتنفيذ والاستمرار.

ولما كانت النفقة المحكوم بها تمثل نسبة مرتفعة من الدخل الصافي الذي أثبته المعترض بمستنداته، فإن تقديرها بهذا المقدار يثير التساؤل حول مدى تحقق مبدأ التناسب الذي يعد من أهم الضوابط الحاكمة لتقدير النفقة.

ولا يفهم من ذلك طلب إنقاص حقوق المحضونين أو الانتقاص من التزام الأب بالنفقة، وإنما المقصود هو أن يكون مقدار النفقة قائمًا على تقدير متوازن يراعي جميع الظروف المالية الثابتة في الدعوى، بحيث تتحقق مصلحة المحضونين دون أن يترتب على ذلك إلزام المنفق بما يجاوز قدرته الواقعية.

وحيث إن الحكم لم يبين أنه أجرى هذه الموازنة، ولم يوضح كيف توصل إلى أن مقدار النفقة المحكوم به يحقق هذا التناسب، فإن النتيجة التي انتهى إليها تكون جديرة بإعادة النظر من قبل محكمتكم الموقرة.

سابعًا: الطلبات

لكل ما تقدم، ولما ستبديه المحكمة الموقرة من أسباب أخرى، فإن المعترض يلتمس من أصحاب الفضيلة الحكم بما يأتي:

أولًا: قبول الاعتراض شكلًا، لتقديمه خلال المدة النظامية واستيفائه جميع متطلباته النظامية.

ثانيًا: قبول الاعتراض موضوعًا.

ثالثًا: نقض الحكم الصادر من محكمة الأحوال الشخصية – محل الاعتراض – فيما قضى به من تقدير النفقة المستقبلية، لابتنائه على أسباب لم تحط بكامل الوقائع الثابتة في الدعوى، ولعدم مناقشته جميع الأدلة الجوهرية التي تمسك بها المعترض، وما ترتب على ذلك من خطأ في تقدير يساره المالي.

رابعًا: وبصفة احتياطية، وفي حال رأت محكمتكم الموقرة تأييد أصل الحكم، فيلتمس المعترض تعديل مقدار النفقة المستقبلية بما يتفق مع الضوابط المقررة في نظام الأحوال الشخصية، وبعد إعادة تقدير القدرة المالية الفعلية للمعترض في ضوء المستندات المقدمة في الدعوى، وبما يحقق التوازن بين احتياجات المحضونين ويسار المنفق.

خامسًا: إعادة وزن الأدلة والمستندات المقدمة في ملف الدعوى، ولا سيما تعريف الراتب، وكشف الاستقطاعات النظامية، وما يثبت الالتزامات المالية الثابتة للمعترض، وإعمال أثرها النظامي عند تقدير النفقة.

سادسًا: الحكم بما تراه محكمتكم الموقرة محققًا للعدل ومتفقًا مع أحكام الشريعة الإسلامية، ونظام الأحوال الشخصية، ونظام الإثبات، ونظام المرافعات الشرعية.

ثامنًا: المشفوعات

أرفق المعترض مع هذه اللائحة – على سبيل المثال – المستندات الآتية:

  1. صورة من الحكم محل الاعتراض.
  2. صورة من صك الحكم، إن وجد.
  3. صورة من عقد النكاح.
  4. صورة من صك الطلاق.
  5. تعريف رسمي بالراتب.
  6. كشف بالاستقطاعات النظامية.
  7. ما يثبت الالتزام بسداد القرض السكني.
  8. ما يثبت الالتزامات المالية الأخرى – إن وجدت.
  9. أي مستندات أخرى ترى المحكمة الموقرة أهمية الاطلاع عليها للفصل في الاعتراض.

تاسعًا: الخاتمة

ولما كان الحكم المطعون فيه قد انتهى – في نظر المعترض – إلى تقدير النفقة المستقبلية دون أن يحيط بجميع الوقائع المؤثرة في تقدير يساره المالي، ودون أن يناقش الأدلة الجوهرية التي تمسك بها أثناء نظر الدعوى، ودون أن يبين بيانًا كافيًا الأساس الذي أقام عليه تقديره لمبلغ النفقة، فإن المعترض يتمسك بطلبه إعادة النظر في الحكم، راجيًا من محكمتكم الموقرة بسط رقابتها على سلامة تطبيق النظام، وإعادة تقدير النفقة على ضوء الوقائع الثابتة في أوراق الدعوى، تحقيقًا للعدالة التي استهدفها المنظم.

والله ولي التوفيق،،،

مقدمه

أحمد بن محمد القحطاني

التاريخ: ../../14هـ

التوقيع: _______________

الأسئلة الشائعة

ما هي المشفوعات التي يفضل إرفاقها مع نموذج الاعتراض على حكم النفقة المستقبلية؟

يختلف ذلك بحسب سبب الاعتراض، إلا أن من أبرز المشفوعات: نسخة الحكم المعترض عليه، والمستندات المالية، وكشوف الدخل، والعقود أو الإيصالات، والتقارير أو أي أدلة جديدة أو سابقة أغفلتها المحكمة، إضافة إلى ما يثبت الوقائع التي يستند إليها المعترض لدعم طلبه.

ما أكثر سبب قانوني ينجح في نقض حكم النفقة المستقبلية أمام محكمة الاستئناف؟

لا يوجد سبب قانوني واحد ينجح دائمًا في نقض حكم النفقة المستقبلية، لأن محكمة الاستئناف تنظر في كل قضية بحسب وقائعها وأدلتها. ومع ذلك، فإن أكثر الأسباب التي تؤدي عمليًا إلى تعديل الحكم أو نقضه هو الخطأ في تطبيق النظام أو في تقدير الوقائع والأدلة التي بُني عليها تقدير النفقة.

كيف تكتب أسباب الاعتراض على حكم النفقة المستقبلية بطريقة تقنع محكمة الاستئناف؟

لإقناع محكمة الاستئناف، لا يكفي أن يذكر المعترض أن الحكم غير عادل أو أن مبلغ النفقة مرتفع، بل يجب أن تبنى أسباب الاعتراض على أخطاء قانونية أو واقعية محددة أثرت في النتيجة. لذلك ينبغي أن تتضمن مذكرة الاعتراض بيان مواضع الخطأ في الحكم، وربط كل سبب بالنص النظامي أو بالمستندات والأدلة المؤيدة له، مع بيان أثر ذلك الخطأ في منطوق الحكم. وكلما كانت أسباب الاعتراض واضحة ومؤيدة بالأسانيد النظامية والمشفوعات، زادت فرص قبولها ومناقشتها أمام محكمة الاستئناف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى